الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
135
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وأنّا كنّا غافلين عن اتباع رشدهم لأنّا لم نتعلم ، فالدّراسة مراد بها التعليم . والدّراسة : القراءة بمعاودة للحفظ أو للتّأمّل ، فليس سرد الكتاب بدراسة . وقد تقدّم قوله تعالى : وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ في هذه السّورة [ 105 ] ، وتقدّم تفصيله عند قوله تعالى : وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ من سورة آل عمران [ 79 ] . والغفلة : السّهو الحاصل من عدم التفطّن ، أي لم نهتمّ بما احتوت عليه كتبهم فنقتدي بهديها ، فكان مجيء القرآن منبها لهم للهدي الكامل ومغنيا عن دراسة كتبهم . وقوله : أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ تدرّج في الاعتلال جاء على ما تكنّه نفوس العرب من شفوفهم بأنفسهم على بقيّة الأمم ، وتطلّعهم إلى معالي الأمور ، وإدلالهم بفطنتهم وفصاحة ألسنتهم وحدّة أذهانهم وسرعة تلقّيهم ، وهم أخلقاء بذلك كلّه . وفي الإعراب عن هذا الاعتلال منهم تلقين لهم ، وإيقاظ لأفهامهم أن يغتبطوا بالقرآن ، ويفهموا ما يعود عليهم به من الفضل والشّرف بين الأمم ، كقوله تعالى : لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ [ الأنبياء : 10 ] . وقد كان الذين اتّبعوا القرآن أهدى من اليهود والنّصارى ببون بعيد الدّرجات . ولقد تهيّأ المقام بعد هذا التّنبيه العجيب لفاء الفصيحة في قوله : فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وتقديرها : فإذا كنتم تقولون ذلك ويهجس في نفوسكم فقد جاءكم بيان من ربّكم يعني القرآن ، يدفع عنكم ما تستشعرون من الانحطاط عن أهل الكتاب . والبيّنة ما به البيان وظهور الحقّ . فالقرآن بيّنة على أنّه من عند اللّه لإعجازه بلغاء العرب ، وهو هدي بما اشتمل عليه من الإرشاد إلى طرق الخير ، وهو رحمة بما جاء به من شريعة سمحة لا حرج فيها ، فهي مقيمة لصلاح الأمّة مع التّيسير . وهذا من أعجب التّشريع وهو أدلّ على أنّه من أمر العليم بكلّ شيء . وتفرّع عن هذا الإعذار لهم الإخبار عنهم بأنّهم لا أظلم منهم ، لأنّهم كذّبوا وأعرضوا . فالفاء في قوله : فَمَنْ أَظْلَمُ للتّفريع . والاستفهام إنكاري ، أي لا أحد أظلم من الذين كذّبوا بآيات اللّه . و ( من ) في مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ موصولة وما صدقها المخاطبون من قوله : أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ .